- 18 فبراير - 5 مساءً
شبكة السيارات الصينية : مع تصاعد الحديث عالميًا عن البطاريات الصلبة بوصفها الجيل القادم الحاسم للسيارات الكهربائية، بدأت تتشكل فجوة واضحة بين الخطاب الإعلامي المتفائل والواقع العلمي والهندسي. ففي الوقت الذي يتركز فيه معظم النقاش العام على “اختراقات الإلكتروليت الصلب”، جاءت مداخلات علمية رفيعة المستوى من داخل الصين لتعيد توجيه البوصلة نحو جوهر المشكلة الحقيقي: مواد الكاثود.
هذا التحول في زاوية النظر لم يأتِ من فراغ، بل طُرح بوضوح خلال المنتدى الصيني الثالث رفيع المستوى لتطوير البطاريات الصلبة بالكامل، الذي عُقد في بكين في فبراير 2026، بحضور نخبة من علماء المواد، وممثلي الصناعة، وصنّاع القرار.

الوصول السريع لاجزاء المقال
ما هو الإلكتروليت في البطارية الصلبة؟ ولماذا يُساء فهم دوره؟
الإلكتروليت هو الوسط الذي تنتقل عبره أيونات الليثيوم بين الكاثود والأنود أثناء الشحن والتفريغ، وهو عنصر أساسي في أي بطارية، سواء كانت سائلة أو صلبة. في البطاريات التقليدية، يكون الإلكتروليت سائلًا وقابلًا للاشتعال، بينما في البطاريات الصلبة يتم استبداله بمادة صلبة قد تكون كبريتيدية أو أكسيدية أو بوليمرية أو هجينة.
الدور الحقيقي للإلكتروليت لا يتمثل في “توليد الطاقة”، بل في نقل الأيونات بكفاءة واستقرار ومنع القصر الكهربائي. لذلك، فإن تحسين الإلكتروليت ينعكس على السلامة، والاستقرار الحراري، وسرعة الشحن، لكنه لا يرفع كثافة الطاقة بشكل جوهري.
الخلل في الخطاب السائد هو الاعتقاد بأن اختراقًا في الإلكتروليت وحده كفيل بإحداث قفزة ثورية، بينما الواقع الهندسي يؤكد أن الإلكتروليت هو عامل تمكين، لا عامل حسم. فإذا كان الكاثود محدود السعة أو غير مستقر عند الجهد العالي، فلن يعوضه أفضل إلكتروليت في العالم. ولهذا بدأت الصناعة اليوم تنظر إلى الإلكتروليت كجزء من منظومة متكاملة، وليس كنقطة الانطلاق الحاسمة.

ما هو الكاثود؟ ولماذا يُعد العنصر الحاسم في مستقبل البطاريات الصلبة؟
الكاثود هو المخزن الرئيسي للطاقة داخل البطارية، وهو المكوّن الذي يحدد بشكل مباشر كثافة الطاقة، وتكلفة الخلية، والعمر التشغيلي، وحتى مستوى الأمان. من الناحية الفيزيائية والكيميائية، فإن أغلب طاقة البطارية تُخزَّن في بنية الكاثود البلورية، وليس في الإلكتروليت أو الأنود.
في البطاريات الصلبة، تتضاعف أهمية الكاثود لأن أي محاولة لرفع الجهد أو السعة تؤدي إلى ضغوط أعنف على الواجهة بينه وبين الإلكتروليت. وعند استخدام مواد عالية النيكل أو مواد غنية بالليثيوم، تظهر تحديات مثل عدم استقرار الأكسجين، والانهيار البنيوي، والاستقطاب الموضعي، وتشكّل طبقات عالية المقاومة، وهي عوامل تؤدي إلى تدهور سريع في الأداء أو مخاطر سلامة.
لهذا السبب، يُنظر إلى الكاثود اليوم بوصفه عنق الزجاجة الحقيقي في البطاريات الصلبة: فمن دونه لا يمكن تحقيق قفزة في كثافة الطاقة، ولا يمكن خفض التكلفة، ولا يمكن ضمان الاستقرار طويل المدى. أي مسار تجاري حقيقي للبطاريات الصلبة يجب أن يبدأ من ابتكار كاثود جديد منخفض الانفعال الحجمي، عالي الاستقرار، وقابل للتصنيع واسع النطاق، وإلا ستبقى التقنية حبيسة المختبر مهما تطور الإلكتروليت.
الطاقة هي مبرر الوجود… والكاثود هو من يحددها
في مداخلة علمية لافتة، أكد أستاذ علوم وهندسة المواد بجامعة بكين أن الطاقة النوعية العالية هي السبب الوحيد الذي يمنح البطاريات الصلبة مبررًا حقيقيًا للاستثمار والتطوير. فإذا لم تستطع البطارية الصلبة تحقيق قفزة واضحة في كثافة الطاقة مقارنة بالبطاريات السائلة الحالية، فإن كل الوعود المرتبطة بها تفقد أساسها.
وهنا تكمن النقطة المفصلية:
العنصر الذي يحدد كثافة الطاقة ليس الإلكتروليت، بل الكاثود.
- الكاثود هو العامل الأكبر في تحديد كثافة الطاقة
- وهو المكوّن الأعلى تكلفة في الخلية
- وهو أيضًا العنصر الأكثر تأثيرًا على استقرار النظام ككل
وبالتالي، فإن أي حديث عن تجارية واسعة النطاق للبطاريات الصلبة دون اختراق جذري في مواد الكاثود يبقى نظريًا أكثر منه واقعيًا.
لماذا عادت البطاريات الصلبة إلى الواجهة الآن؟
الاهتمام الحالي بالبطاريات الصلبة لا يعني أنها تقنية جديدة. فالأبحاث الصينية في هذا المجال تعود إلى أوائل التسعينيات. لكن عودتها القوية في السنوات الأخيرة تعود إلى سببين رئيسيين:
- نضج القدرات البحثية والهندسية مقارنة بما كان متاحًا قبل ثلاثة عقود
- ضغوط التطبيقات الواقعية التي كشفت حدود بطاريات الليثيوم السائلة من حيث:
- كثافة الطاقة
- السلامة الحرارية
- سقف التطوير الكيميائي
بمعنى آخر، البطاريات الصلبة ليست خيارًا ترفيهيًا، بل استجابة حتمية لاختناقات تقنية في الجيل الحالي من البطاريات.








الخلل في الخطاب السائد: تضخيم دور الإلكتروليت
في الخطاب العام، يتم تصوير الإلكتروليت الصلب وكأنه المفتاح السحري لكل شيء. وكأن حل مشكلة التوصيل الأيوني أو الاستقرار الكيميائي للإلكتروليت سيؤدي تلقائيًا إلى بطارية ثورية.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا:
- بطارية بكاثود ضعيف لن تصبح قوية بسبب إلكتروليت متقدم
- كثافة الطاقة المنخفضة لا تُعالج بتغيير وسيط النقل فقط
- الاستقرار طويل المدى يعتمد على سلوك الكاثود تحت الجهد العالي والتيار المرتفع
وهنا تبدأ التحديات الحقيقية.
المشكلة الجوهرية: الكاثود تحت الجهد العالي
أظهرت العديد من الدراسات أن البطاريات الصلبة تعمل جيدًا عند:
- الأحمال المنخفضة
- التيارات الصغيرة
- السماكات المحدودة للأقطاب
لكن عند الانتقال إلى شروط الاستخدام الواقعي:
- زيادة سُمك الكاثود
- رفع التيار
- رفع الجهد التشغيلي
تبدأ مشكلات الاستقطاب الموضعي بالظهور، حيث يصبح الجهد الفعلي على سطح الكاثود أعلى بكثير من نافذة الاستقرار الكيميائي للمادة.
النتيجة:
- تشكّل طبقات عالية المقاومة
- تدهور سريع في الأداء
- فقدان الاستقرار الدوري
وهذه الظاهرة لا تختفي بمجرد تغيير نوع الإلكتروليت.
السلامة: لماذا لا تزال المواد عالية النيكل مشكلة؟
المواد عالية النيكل تُعد خيارًا مغريًا بسبب قدرتها العالية التي قد تصل إلى 240 مللي أمبير/ساعة لكل جرام. لكنها تحمل مشكلة بنيوية:
- النيكل في حالة الأكسدة العالية نشط كيميائيًا
- الأكسجين يصبح غير مستقر داخل البنية البلورية
- خطر الانهيار البنيوي والانبعاث الحراري لا يزال قائمًا
حتى مع تحسين الاستقرار الحراري ورفع درجة التحلل بعشرات الدرجات، أظهرت الاختبارات أن السلامة لا تزال غير مضمونة في سيناريوهات الاختراق أو التلف الحاد.
الواجهة هي ساحة المعركة الحقيقية
أحد أكبر التحديات في البطاريات الصلبة هو واجهة الكاثود–الإلكتروليت:
- الكاثود يتعرض لتغير حجمي (وإن كان أقل من الأنودات السيليكونية)
- البنية البلورية للكاثود غير متجانسة الاتجاه
- التشوهات الدقيقة تؤدي إلى تركّز إجهاد موضعي
- هذا يسبب استقطابًا موضعيًا وتدهورًا متسارعًا
الحلول الشائعة مثل:
- التصغير النانوي
- الطلاء السطحي
تُعد حلولًا تحسينّية، وليست حلولًا جذرية. المطلوب هو تطوير:
- كاثودات منخفضة الانفعال الحجمي
- بنية أكثر تماثلًا
- استقرار كيميائي أعلى عند الجهد المرتفع
التوافق الكيميائي: ليس كل إلكتروليت يصلح لكل كاثود
اختيار مسار البطارية الصلبة لا يعتمد على “أفضل إلكتروليت” بشكل مطلق، بل على التوافق بين المكونات:
- الإلكتروليتات الأكسيدية: معامل مرونة مرتفع يصعّب التلامس
- الإلكتروليتات الكبريتيدية والكلوريدية: تتطلب ضغطًا تشغيليًا مستمرًا
- الإلكتروليتات البوليمرية: محدودة في الجهد والتوصيل
الحل المستقبلي قد يكون في:
- تطوير إلكتروليتات غير عضوية منخفضة الصلابة
- توسيع نافذة الجهد للبوليمرات
- أو أنظمة هجينة متكاملة من المصدر
السباق الصناعي الصيني: التركيز ينتقل إلى المواد
شركات البطاريات الصينية الكبرى لم تعد تركز فقط على الإلكتروليت، بل بدأت إعادة تموضع استراتيجي حول الكاثود:
- CATL
- BYD
- EVE Energy
هذه الشركات تعمل على:
- ربط تطوير الكاثود والإلكتروليت ضمن منظومة واحدة
- بناء حواجز براءات اختراع متكاملة
- الانتقال من تحسينات جزئية إلى ابتكار بنيوي
التصنيع: حيث تُحسم المعركة فعليًا
حتى أفضل كاثود نظريًا يفشل إذا لم يكن قابلًا للتصنيع الاقتصادي. ولهذا تبرز تقنيات جديدة مثل:
- الأقطاب الجافة
- التلبيد المشترك
- التلبيد البارد
هذه العمليات قد تُحدث ثورة في طرق التصنيع، وتقلل الاعتماد على تقنيات الملاط التقليدية، وتفتح الباب أمام دمج أوثق بين المواد.
السيناريوهات المستقبلية حسب التطبيق
الصناعة لا تتجه إلى حل واحد، بل إلى مسارات متعددة:
- الطرازات الفاخرة: كاثودات متقدمة مع إلكتروليتات بوليمرية أو هجينة
- السوق الواسع: أنظمة تعتمد على فوسفات الحديد والليثيوم لتحقيق الأمان والتكلفة
- تطبيقات خاصة: مسارات ثورية مثل الكبريت مع إلكتروليتات كبريتيدية
وقد ينشأ مستقبلًا نموذجان صناعيان:
- شركات تسيطر على السلسلة كاملة من المادة إلى السيارة
- منصات معيارية تقدّم حلول كاثود–إلكتروليت جاهزة
رؤية شبكة السيارات الصينية
الرسالة الجوهرية التي يفرضها الواقع العلمي واضحة:
الإلكتروليت مهم، لكنه ليس البطل الحقيقي.
الكاثود هو من يحدد:
- كثافة الطاقة
- التكلفة
- الاستقرار
- قابلية التصنيع
ولا يمكن للبطاريات الصلبة أن تخرج من المختبر إلى السوق دون اختراق حقيقي في مواد الكاثود، مدعوم بهندسة تصنيع ذكية. المستقبل لن يكون لمسار واحد أو فائز واحد، بل لمن ينجح في الجمع بين ابتكار المواد وقوة التصنيع، وهي معركة يبدو أن الصين قررت خوضها حتى النهاية.
