- 15 يونيو - 9 صباحًا
شبكة السيارات الصينية: في الوقت الذي تتسابق فيه شركات صناعة البطاريات حول العالم لإدخال بطاريات الصوديوم إلى سيارات الركاب، يبدو أن شركة بي واي دي تسلك طريقاً مختلفاً تماماً. فبدلاً من التركيز على استخدام هذه التقنية داخل السيارات الكهربائية، تتجه الشركة الصينية العملاقة نحو قطاع آخر قد يكون أكثر أهمية على المدى الطويل، وهو قطاع تخزين الطاقة الثابتة المرتبط بالشبكات الكهربائية ومحطات الطاقة المتجددة.
هذه الاستراتيجية تكشف عن رؤية مختلفة لمستقبل بطاريات الصوديوم، وتوضح أن المنافسة لم تعد تقتصر على السيارات الكهربائية فقط، بل أصبحت تمتد إلى البنية التحتية للطاقة العالمية.
وبينما نجحت CATL مؤخراً في إطلاق سيارة إنتاجية تعتمد على بطارية صوديوم بسعة 45 كيلوواط ساعة بالتعاون مع شانجان، تعمل BYD على تطوير الجيل الثالث من بطاريات الصوديوم متعددة الأنيونات (NFPP) بهدف الوصول إلى تكلفة إنتاج مستقرة تبلغ 0.3 يوان لكل واط ساعة بحلول عام 2027، أي ما يعادل نحو 0.04 دولار أمريكي أو حوالي 0.15 ريال سعودي لكل واط ساعة.

الوصول السريع لاجزاء المقال
معركة جديدة خارج عالم السيارات الكهربائية
عندما يتم الحديث عن بطاريات الصوديوم، يعتقد كثيرون أن الهدف الرئيسي هو منافسة بطاريات الليثيوم داخل السيارات الكهربائية، لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك.
فبطاريات الصوديوم تمتلك مزايا مهمة أبرزها انخفاض تكلفة المواد الخام وتوافرها بشكل أكبر مقارنة بالليثيوم، إلا أنها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بكثافة الطاقة والوزن مقارنة ببعض تقنيات البطاريات الأخرى.
لهذا السبب بدأت الشركات المصنعة في تقسيم الأدوار وفقاً لاحتياجات كل قطاع.
فبينما ترى CATL فرصة مناسبة لاستخدام بطاريات الصوديوم داخل بعض السيارات الكهربائية منخفضة التكلفة، تبدو بي واي دي مقتنعة بأن القيمة الحقيقية لهذه التقنية تكمن في أنظمة تخزين الطاقة الثابتة، حيث تكون الأولوية لعمر التشغيل الطويل والاستقرار والأمان بدلاً من الوزن أو كثافة الطاقة.
كيف تحاول بي واي دي حل واحدة من أكبر مشكلات بطاريات الصوديوم؟
تعتمد استراتيجية الشركة على خلية كبيرة مخصصة لتطبيقات الطاقة الثابتة بسعة 189 أمبير ساعة وجهد يبلغ 2.9 فولت.
وتؤكد هذه المواصفات أن الخلية تم تطويرها أساساً لتطبيقات التخزين الثابت واسعة النطاق والاستخدامات الصناعية الثقيلة، وليس للاستخدام داخل سيارات الركاب التي تتطلب كثافة طاقة مرتفعة وأوزاناً أقل.
لكن التحدي الرئيسي أمام بطاريات الصوديوم متعددة الأنيونات يتمثل في ضعف التوصيل الكهربائي الطبيعي للمواد المستخدمة.
وتشير البيانات التقنية إلى أن الموصلية الإلكترونية الأساسية لهذه المواد تقع ضمن نطاق منخفض جداً يتراوح بين 10⁻⁹ و10⁻¹⁰ سيمنز لكل سنتيمتر، وهو ما يجعل المادة في حالتها الأصلية أقرب إلى العازل الكهربائي.
ولمعالجة هذه المشكلة، طورت بي واي دي نهجاً هندسياً يعتمد على خطوتين أساسيتين.

تصغير حجم الجزيئات إلى أقل من 100 نانومتر
يؤدي ذلك إلى تقليل المسافات التي تحتاج الإلكترونات إلى قطعها داخل المادة، ما يساعد على تحسين سرعة انتقال الشحنات الكهربائية ورفع كفاءة التوصيل داخل الخلية.
إضافة طبقة كربونية خاصة
تعتمد الشركة على تغليف حدود الحبيبات بمصفوفة كربونية غير متبلورة، ما يرفع الموصلية الإلكترونية بمقدار يتراوح بين أربعة وخمسة مراتب مقارنة بالمادة الأصلية.
ولا تهدف هذه المعالجات إلى تحسين الأداء فقط، بل تساعد أيضاً على تقليل التدهور الحراري والحد من ظاهرة ترسب الصوديوم داخل الخلية أثناء التشغيل طويل الأمد.
أرقام تكشف سبب اختيار بي واي دي لتخزين الطاقة
توضح البيانات الصناعية الحديثة أن بطاريات NFPP التي تعمل عليها بي واي دي لا تستهدف السيارات أساساً، بل تم تصميمها لتلبية متطلبات مشاريع الطاقة الضخمة التي تحتاج إلى العمل لعقود طويلة.
ومن أبرز المؤشرات التي تدعم هذا التوجه:
- عمر تشغيلي مستهدف يتجاوز 10,000 دورة شحن وتفريغ.
- إمكانية تشغيل تصل إلى نحو 33 عاماً في تطبيقات توزيع الطاقة القياسية.
- استقرار حراري مرتفع في بيئات التشغيل الثابتة.
- ملاءمة أكبر لمحطات الطاقة وأنظمة الشبكات الكهربائية.
- قدرة على تحمل ظروف التشغيل طويلة الأمد مقارنة بالبطاريات الموجهة لقطاع النقل.
هذه الأرقام تجعل البطارية أكثر جاذبية لمشغلي الشبكات الكهربائية مقارنة باستخدامها في سيارات الركاب التي تركز بصورة أكبر على كثافة الطاقة والمدى التشغيلي.

لماذا لا تزال بطاريات الليثيوم متفوقة في السيارات؟
رغم الاهتمام المتزايد ببطاريات الصوديوم، لا تزال بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP) وبطاريات النيكل عالية الكثافة تحتفظ بأفضلية واضحة داخل قطاع السيارات الكهربائية.
فالسيارات تحتاج إلى:
- كثافة طاقة مرتفعة.
- وزن أقل.
- مدى قيادة أكبر.
- أحجام بطاريات أكثر إحكاماً.
في المقابل تركز مشاريع تخزين الطاقة على:
- العمر التشغيلي الطويل.
- التكلفة المنخفضة.
- الأمان والاستقرار.
- القدرة على العمل لعقود متواصلة.
ولهذا السبب يبدو أن بي واي دي لا تنظر إلى بطاريات الصوديوم كبديل مباشر لبطاريات الليثيوم داخل السيارات، بل كحل مكمل يخدم قطاعاً مختلفاً تماماً.

عقبة رئيسية ما زالت تواجه بطاريات الصوديوم
رغم التطورات الكبيرة، لا تزال هناك تحديات أمام الانتشار الواسع لهذه التقنية.
وتتمثل إحدى أبرز العقبات في سلاسل توريد الكربون الصلب المستخدم في القطب السالب.
فالصناعة العالمية لهذا النوع من المواد لا تزال غير موحدة بشكل كامل، كما أن عمليات التصنيع تختلف بين الشركات، ما يؤدي إلى تفاوت في نسب الإنتاج والكفاءة خلال التصنيع التجاري واسع النطاق.
وتتوقع التقديرات الصناعية أن الوصول إلى تكافؤ التكلفة الكامل بين خطوط إنتاج بطاريات الصوديوم وخطوط إنتاج بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم لن يتحقق قبل عام 2027.
ماذا تكشف أرقام السوق الصينية؟
تكشف بيانات سوق البطاريات في الصين عن استمرار هيمنة عدد محدود من اللاعبين الكبار.
ووفقاً لبيانات مايو 2026:
- CATL تصدرت السوق بحجم تركيبات بلغ 33.08 جيجاواط ساعة وحصة سوقية بلغت 46.7%.
- BYD جاءت في المركز الثاني بحجم 11.87 جيجاواط ساعة وحصة سوقية بلغت 16.8%.
- Gotion High-Tech سجلت حصة بلغت 6.3%.
- CALB سجلت حصة بلغت 6.1%.
وتوضح هذه الأرقام الفارق الكبير في الأحجام الإنتاجية، كما تفسر سبب توجه الشركات نحو تطوير تقنيات متخصصة تناسب قطاعات مختلفة بدلاً من التنافس على الحلول نفسها.
هل نشهد مستقبلاً متعدد الكيميائيات للبطاريات؟
أحد أهم الاستنتاجات التي تكشفها هذه التطورات هو أن صناعة البطاريات قد لا تتجه نحو تقنية واحدة مهيمنة على جميع الاستخدامات.
فالسيناريو الأقرب حالياً يتمثل في توزيع الأدوار بين عدة تقنيات مختلفة:
- بطاريات الليثيوم عالية الأداء للسيارات الكهربائية المتقدمة.
- بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم للسيارات واسعة الانتشار.
- بطاريات الصوديوم لتطبيقات تخزين الطاقة والشبكات الكهربائية.
- بطاريات الحالة الصلبة للتطبيقات المستقبلية المتطورة.
وبالتالي قد لا يكون السؤال مستقبلاً: أي بطارية ستفوز؟ بل أي بطارية تناسب كل تطبيق؟
لماذا يعد هذا التحول مهماً لقطاع الطاقة العالمي؟
إذا نجحت بي واي دي في تحقيق هدفها المعلن بخفض تكلفة إنتاج بطاريات الصوديوم إلى 0.3 يوان لكل واط ساعة بحلول عام 2027، فقد يفتح ذلك الباب أمام مشاريع تخزين طاقة أقل تكلفة وأكثر قدرة على دعم شبكات الكهرباء المعتمدة على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ومع التوسع العالمي المتسارع في مشاريع الطاقة المتجددة، أصبحت الحاجة إلى حلول تخزين ضخمة ومنخفضة التكلفة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وهنا تحديداً قد تجد بطاريات الصوديوم المجال الذي يمنحها أفضلية حقيقية مقارنة ببطاريات الليثيوم التقليدية.
ماذا يعني اختلاف استراتيجية بي واي دي وCATL؟
تكشف التطورات الأخيرة أن أكبر شركتين للبطاريات في الصين لا تتبنيان الرؤية نفسها تجاه مستقبل بطاريات الصوديوم.
فبينما تعمل CATL على دفع التقنية نحو قطاع سيارات الركاب من خلال بطاريات صوديوم مخصصة للمركبات الإنتاجية، تتجه بي واي دي نحو قطاع تخزين الطاقة الثابتة الذي يتطلب عمر تشغيل أطول واستقراراً أعلى وتكلفة أقل.
وهذا الاختلاف لا يعني وجود طرف على صواب وآخر على خطأ، بل يعكس تعدد الفرص التجارية التي توفرها بطاريات الصوديوم خلال السنوات المقبلة.
الخلاصة ببساطة: ماذا يعني هذا الكلام للقارئ العادي؟
بينما يعتقد كثيرون أن بطاريات الصوديوم ستدخل مباشرة في جميع السيارات الكهربائية، يبدو أن بي واي دي ترى مستقبلاً مختلفاً لهذه التقنية. فالشركة تركز حالياً على استخدامها في محطات تخزين الطاقة والشبكات الكهربائية، حيث تكون الأولوية للعمر الطويل والتكلفة المنخفضة بدلاً من المدى أو الوزن. وإذا نجحت الشركة في تحقيق أهدافها التصنيعية، فقد تصبح بطاريات الصوديوم عنصراً أساسياً في البنية التحتية للطاقة خلال السنوات المقبلة، حتى لو لم تنتشر سريعاً داخل سيارات الركاب.
رؤية شبكة السيارات الصينية
تكشف تحركات بي واي دي الأخيرة أن المنافسة في قطاع البطاريات لم تعد تدور فقط حول السيارات الكهربائية، بل انتقلت إلى معركة أكبر تتعلق بمستقبل الطاقة العالمي. وبينما تواصل CATL دفع بطاريات الصوديوم نحو سيارات الركاب، تراهن بي واي دي على قطاع تخزين الطاقة طويل الأمد، وهو رهان قد يمنحها موقعاً استراتيجياً مهماً مع توسع مشاريع الطاقة المتجددة حول العالم. ومن الواضح أن السنوات القليلة المقبلة لن تشهد انتصار تقنية واحدة، بل ظهور منظومة متعددة الكيميائيات تتعايش فيها تقنيات مختلفة وفقاً لاحتياجات كل قطاع، وهو ما قد يعيد تشكيل خريطة صناعة البطاريات والطاقة خلال العقد القادم.
